كنيس «الغريبة» : أقدم معابد اليهود بأفريقيا… وقصة «الفتاة المعجزة» أبنة الحاخام اليهودي التي أذهلت جزيرة جربة

 

جيمينا: يعد كنيس «الغريبة» الواقع في جزيرة جربة التي تبعد 500 كم جنوب شرقي العاصمة التونسية، والذي يعود تاريخه إلى ما يزيد عن 2500 عام، أقدم كنيس في أفريقيا وأحد أقدم المعابد اليهودية في العالم. ويعتبر الكنيس مزارا سياحيا تحج إليه جموع من اليهود كل عام، وتوجد به أقدم نسخة معروفة من التوراة.

يقع الكنيس في قرية صغيرة تبعد عدة كيلومترات عن حومة السوق بجزيرة جربة جنوب شرقي تونس، ويحظى بمكانة خاصة عند اليهود وكذلك سكان الجزيرة.

اما عن اسم «الغريبة»الذي يحمله المعبد، فهناك رواية تقول ان له علاقة بامراة يهودية أبنة حاخام كانت غريبة على اهل الجزيرة نجت باعجوبة من حريق، وعرفت هذه المرأة بالكرامات فأقيم لها هذا المقام عند الممات، وسمي الكنيس «الغريبة» نسبة إليها كونها كانت غريبة على المكان وأهله. واصبح الناس من اليهود وكذلك بعض المسلمين في ما بعد يتباركون بها ويتوجهون اليها طلبا للشفاء من عدة امراض وكذلك العقم.

وتقول رواية مشهورة جداً أن شابة غريبة عن تونس كانت تعيش في عزلة وهي أبنة حاخام يهودي،وصلت إلى شواطيء جزيرة جربة في ظروف غامضة وسكنت مبنى قديم متهالك كان على وشك الانهيار. ووفقا للرواية المشهورة بين سكان جربة منذ القدم أن هذا البيت احترق وتحطم تماما، ووسط دهشة من سكان الجزيرة خرجت منه الشابة اليهودية الغريبة عن البلاد بجسمها كاملا دون ان تمسه النار. ويقول سكان جربة أنه بعد دفنها شوهدت تتحدث للذين يزورونها ويقول عدد كبير من التونسيين من اليهود وغيرهم ان من يزور قبرها إلى الان يشاهد في حياته العجائب وتتحق لك الأمنيات.

ويشتهر كنيس «الغريبة»أيضا بكونه مزارا سنويا لليهود، يفدون إليه من مناطق شتى من العالم في مايو/أيار كل عام اليوم الـ 33 من تقويم الفصح اليهودي فيقيمون شعائر دينية ومراسم وطقوسا متنوعة تستمر يومين وسط إجراءات أمنية مشددة.

ويتكون الكنيس من بنايتين كبيرتين الأولى خاصة بالعبادات ويغلب عليه اللون الأبيض والأزرق، ويوجد بداخله بيت الصلاة وهو المكان الذي تؤدى فيه أهم طقوس الزيارة، أما البناية الثانية فتستعمل لإقامة الاحتفالات بالأهازيج والموسيقى التونسية وتوزيع الأكلات التونسية أيام زيارة اليهود.

تتنوع الطقوس الدينية والمراسم الاحتفالية التي يقوم بها اليهود خلال زيارتهم للكنيس، حيث تتضمن التبرك بحجر من هيكل سليمان الموجود في قبو المعبد ، كما تتضمن كذلك إضاءة الشموع وتقديم الدعاء والحصول على البركة من الحاخامات.

ومن المراسم التي تميز هذا الحج وضع البيض في القبو، إذ يقوم النسوة بكتابة أمانيهن وأحلامهن على البيض وإلقائه في قبو المعبد قرب «الحجر المقدس» حيث يعتقدن أن تلك الأماني ستتحقق بمجرد كتابتها على البيض ووضعها في ذلك المكان.

ويعتقد النسوة وعموم الزوار أن التبرك بالحاخامات وأداء تلك الطقوس سيعودان عليهم بقضاء الحوائج وتسيير زواج الفتيات والإنجاب للمتزوجين والشفاء من الأمراض وجلب الأرزاق ببركة «الغريبة».

ويلي هذه المرحلة -التي يرافقها إشعال الشموع بالقاعة المخصصة للصلاة- الخروج إلى القاعة الكبيرة لقراءة التوراة. وفي الوقت ذاته احتساء نبيذ «البوخا» الذي يستخرج من ثمار التين، والذي يشتهر يهود تونس بصناعته. وجدير بالذكر  ان من أكثر المشروبات رواجاً في تونس مشروب مياه غازية أسمه مشروب «البوجا»، ويعتقد انه مأخوذ من أسم مشروب «البوخا» اليهودي.

وتتضمن طقوس الزيارة أيضا بيع العديد من الأمتعة والمقتنيات التي يتبرك بها الزوار ، وتخصص تلك الأموال للعناية بالمعبد وصيانته وبناء مدارس وإقامة مشاريع لصالح اليهود التونسيين.

ويتم ذلك بعد توجه الزائرين إلى الجانب الأيمن من الكنيس حيث تتميز الطقوس في ذلك الجزء بطابعها التقليدي كترديد الأغاني التونسية وتقديم الأكلات الشعبية المشهورة، فضلا عن بيع المقتنيات المقدسة.

وتنتهي تلك المراسم عادة بما يسمى الخرجة الكبيرة، وهي عبارة عن جولة يقوم الزوار خلالها بدفع «المنارة» إلى الساحة الأمامية للمعبد. والمنارة مصباح نحاسي كبير يتم تزيينه بأقمشة متنوعة الألوان بالإضافة إلى قطع ثمينة من الحلي، تاريخها يعود إلى نحو مئة عام.

سيرين بن سعيد واحدة من عشرات المسلمين ممن أصبحوا يتوجهون سنويا لمشاركة اليهود احتفالاتهم الدينية في أقدم معبد يهودي بافريقيا في إشارة قوية على التسامح والتعايش بين الأديان في جربة.

تقول الطبيبة النفسية الشابة سيرين وفقا لوكالة  «رويترز» أنا هنا لمشاركة الطقوس مع أصدقائي اليهود في تونس الجديدة. تونس التسامح والتعايش وحرية المعتقد. صحيح كل واحد منا له دينه، لكن لدينا العديد من النقاط المشتركة تجمعنا من بينها الوطن والحب والسلام.

ورغم أن يهود جربة تعرضوا لضربة قوية في عام 2002 عندما هاجم متشدد إسلامي يقود شاحنة صهريج لنقل الغاز معبد الغريبة حيث قتل 19 سائحا هناك، إلا أنهم يعيشون بانسجام في المجتمع.

معبد الغريبة الذي كان لا يثير لدى كثير من التونسيين إلا ذكرى هجوم دموي قُتل فيه سياح يهود في العام 2002 أصبح في السنوات الأخيرة رمزا للتسامح والتعايش.

مكرم حارس المعبد اليهودي الذي يشتغل هناك منذ سبع سنوات يقول :”هذا شغلي ومورد رزقي والدين لله وحده..المهم أن علاقتي جيدة بكل من يزور هذا المكان.. هم يحبوني وأنا أحبهم واشتغل بتفان كي يكون المعبد في أحسن حلة”.

التونسي حسن الشلغومي إمام جامع باريس الذي جاء خصيصا لزيارة كنيس الغريبة قال لـ «رويترز» “جربة فعلا نموذج حقيقي للتعايش بين المسلمين واليهود.. هذه الجزيرة الهادئة التي تحتضن يهودها ومسلميها بانسجام تعطي رسالة للعالم بأننا يجب أن نترك البغضاء والعداء وأن نتجه للحوار فورا”.ويضيف “انظروا كيف تركت كوريا الشمالية والجنوبية سنوات العداء والصراع جانبا واتجهتا للحوار”.

ويعيش أغلب اليهود في الحارة الكبرى بجزيرة جربة في بيوت تحاذي جيرانهم المسلمين ويتبادلون الزيارات والهدايا في المناسبات الدينية والأعراس أيضا.

ورغم التعايش الهادئ إلا أن المراقبة الأمنية للمنطقة مستمرة هناك لتفادي أي هجمات من المتشددين الإسلاميين. وفي وسط الحارة الكبرى تقع مدرسة يهودية يرتادها حوالي 150 طفلا حيث يتلقون تعاليم اليهودية بعدما ينهون دراستهم بالمدرسة العمومية مع أقرانهم المسلمين.

رغم العدد الضيئل لليهود في تونس إلا أنهم يتميزون بنشاطهم الاقتصادي اللافت حيث ينشط عدد منهم في قطاع السياحة ووكالات الأسفار والمطاعم وصناعة الحلي. ويذكر ان وزير السياحة التونسي رونيه الطرابلسي وهو رجل اعمال شهير  يهودي الديانة.

وأنت تدخل المدينة العتيقة بجربة التي تعرف أيضا باسم جزيرة الأحلام لا يمكنك إلا أن تتوقف عند مقيصص الشباح ذلك الخياط اليهودي الذي يشتغل هناك منذ نحو أربعة عقود في خياطة الجبة التقليدية للمسلمين وهي لباس يرتديه الرجال في المناسبات الدينية والأعراس.

يقول الخياط اليهودي إن غالبية زبائنه من المسلمين ويحبون اتقانه لمهنته. ويجاور محل الشباح محلا بيع الحلي يملكه مسلم حيث يتبادل الاثنان المزاح بشكل مستمر.

يقول الشباح متحدثا إلى «رويترز»  من وراء آلة الخياطة القديمة “نحن أخوة وجيران منذ عقود. نحن تونسيون”.

وفي المدينة العتيقة أغلب تجار الحلي هم من اليهود ويشتهرون باتقانهم للحرفة حيث يتدفق عليهم زبائنهم من يهود ومسلمين وسياح. في متجر حلي يملكه الشاب اليهودي سيون داعي تقف امرأة مسلمة تلبس الزي التقليدي التونسي وهي تدفع ثمن ما اقتنته من حلي.

وتقول يامنة بوزيري لوكالة «رويترز»  “أنا تعودت من سنوات طويلة أن أقتني من هذا المتجر الحلي لأن لا ثقة لي إلا في سيون”.

نشاط يهود جربة لا يقتصر على صناعة الحلي التي اشتهروا بها منذ عقود من الزمن ولكنه يشمل العديد من القطاعات الأخرى.

وغير بعيد عن سوق الحلي يقع مطعم يهودي في قلب المدينة العتيقة على واجهته لافتة تحمل اسمه باللغة العربية والعبرية.

المطعم الذي يملكه هارون حداد يكتظ منذ الساعة منتصف النهار بزبائنه اليهود والمسلمين حيث يقدم أكلات شهية يقبل عليها أغلب تجار وزوار المنطقة.

ويقول الطباخ اليهودي جبرئيال يعيش “في المدينة العتيقة هناك عديد اليهود.. نقدم لهم أطباقا تتلاءم مع تعاليم اليهودية وأيضا نعد أطباقا تقليدية يحبها كل التونسيين..لكن حقيقة هذه كلها تفاصيل لم نعد ننتبه إليها في جربة وما يهمني أنا شخصيا أن تجارتي مربحة وتجد رواجا”.

ومع ذلك أعداد اليهود تناقصت بشكل كبير خلال العقود الأخيرة في تونس. فبينما كانوا حوالي مئة ألف نسمة عند استقلال البلاد عام 1956، تضاءل العدد اليوم إلى أقل من ألفي نسمة يقيمون في جربة وحلق الواد و القليل في تونس العاصمة وبعض المدن الأخرى.

ويعتبر  يهود جربة أبناء إحدى الجاليات القديمة في العالم حيث وصل اليهود إلى الجزيرة منذ ايام الملك سليمان عام 586 قبل الميلاد.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.