إبراهيم سليل عائلة نونو البحرينية اليهودية يروي قصة أول كنيس في الخليج وذكريات «يهود المنامة»

  • آخر زواج يهودي عقد في البحرين بحضور الحاخام كان في العام 1968
  • في ديسمبر 2015 اقيم أول احتفال رسمي بعيد «الحانوكا» بالكنيس وهي المرة الأولى التي يتم اضاءة الشموع فيه منذ عام 1948

حيمينا – (منقول): تقول الصحافية البحرينية ريم خليفة في تقرير سابق لها لم تكن الصدفة وحدها التي قادتني لألتقي برجل الأعمال إبراهيم داوود نونو ،الرئيس التنفيذي الحالي لشركة بسمة، والعضو السابق في مجلس الشورى ، سليل عائلة نونو البحرينية اليهودية، تلك الأسرة التي تربطنا معها صداقة قديمة منذ زمن الأجداد.
تقول ريم إن العاصمة المنامة،هي التي قادتها إلى حديث الذكريات بشأن يهود البحرين ضمن سلسلة حكايات سوق المنامة القديم.
ومن مقر الكنيس اليهودي في المنامة، أكد نونو أن هناك مساعيَ لتخصيص متحف صغير داخل هذا الكنيس يتحدّث عن تاريخ يهود البحرين.
شُيِّد الكنيس اليهودي منذ أكثر من ثمانين عاما على يد يهودي فرنسي في العام 1930 مع اسرة نونو التي قدمت من العراق في القرن التاسع عشر، وقد تعرض الكنيس للتخريب والحرق وسرقة كتاب التوارة المقدس وذلك بسبب تأثير الأحداث السياسية الإقليمية في حقبة زمنية سابقة. وقد أعاد بناءه داوود نونو والد إبراهيم وأصبح تحت رعايته منذ ذلك الحين باسم الطائفة اليهودية في البحرين.
وفي عام 2006 بدأ إبراهيم داود نونو – الزعيم غير الرسمي للجالية اليهودية – في ترميم الكنيس من أمواله الخاصة على الرغم من أن ولي عهد البحرين الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة قد عرض دفع مبلغ من المال مقابل إعادة بناء كنيس جديد في نفس الموقع. في ذلك الوقت عرضت الحكومة أيضا على الجالية اليهودية قطعة أرض لبناء الكنيس القديم الذي دمر في عام 1948 ولم تتم إعادة بنائه.
وفي العام 2014 قامت وزيرة الثقافة البحرينية بزيارة الی الكنيس بهدف ترميمه و جعله معلما سياحيا في مدينة المنامة.
وفي ديسمبر 2015 اقيم أول احتفال رسمي بعيد «الحانوكا» وهي المرة الاولى التي يتم اضاءة شموع العيد في الكنيس منذ عام 1948 وحضر الاحتفال عدد من اعضاء مجلس الشورى.
واغلب الأسر والعوائل اليهودية قطنت في حي «الحطب» أو ما يعرف بالعامية فريج الحطب بالمنامة القديمة. اذ اول يهودي وطأت قدماه ارض البحرين كان يدعى صالح يدكار وقد جاء في العام 1880 وهو الجد الأكبر لعائلة يدكار، اضف الى ذلك عائلة مراد.
معظم يهود البحرين من كبار السن ممن درس في مدارس المنامة والإرسالية الاميركية وهناك نسبة صغيرة من الشباب ممن تخرج على يد الراهبات الايطاليات بمدرسة القلب المقدس بالمنامة. والعديد من المحلات التجارية والصرافة لاتزال تحمل أسماء يهودية في أحد الأزقة الضيّقة بالمنامة، وهو الشارع الذي كان يطلق عليه «سوق اليهود» في الماضي. ومنذ عقود من الزمان لم يعد هناك أية نزاعات معادية لليهود في البحرين كما يقول نونو: «البحرين تقبل بجميع الأديان. والجميع يعيش هنا بسلام ويحترم بعضه بعضا»، وأشار إلى أن الخلافات الدينية لم تكن قط عقبة في طريق الصداقات الحقيقية في البحرين عبر حقب مختلفة رغم الهجرات التي حدثت أولا في العام 1948 والثانية في العام 1967». واضاف «لعل السمات المحلية في النطق أصبحت ما تميز اليهودي البحريني ليس فقط نتيجة احتكاكه باللغة العربية الفصحى وحسب بل ونتيجة احتكاكه العميق باللهجة التي يتحدث بها مواطنو بلده. أضف إلى ذلك إتقانه لغات أخرى، اذ كانت الفارسية هي لغة سوق المنامة الأساسية وهذا ما كان يستخدم بين التجار إلى جانب الهندية».
وكان في الثلاثينيات من القرن الماضي عضوا يهوديا ينتمي لعائلة نونو المعروفة وذلك في مجلس بلدية العاصمة (المنامة)، أما حديثا فتوجد نانسي خضوري، عضوة في مجلس الشورى منذ عام 2010 عن الطائفة اليهودية. عملت خضوري مديرة إدارية في شركة يوسف خضوري وأولاده. قامت بتأليف كتاب بعنوان: «من بدايتنا إلى يومنا الحاضر».
وكان في وقت مضى قد تم تعيين اليهودية البحرينية هدى نونو سفيرة للبحرين في واشنطن. وكانت هذه هي المرة الأولى التي يصبح فيها شخص يهودي سفيرا لدولة عربية.
وتواصل الصحافية البحرينية ريم خليفة تقريرها وتقول: في طريقنا إلى الكنيس أو المعبد اليهودي، هكذا كان يسميه آهل المنامة، توقف نونو عند احد المحال التجارية وقال «هذا المحل في الماضي كان يملكه شخص يهودي». ومن ثم أشار إلى الجهة الأخرى من السوق قائلا: «هناك محل يملكه أول شخص يهودي قدم إلى البحرين وهو من عائلة يادكار المعروفة ببيع العطورات التقليدية».
واصلنا طريقنا إلى شارع صعصعة في زاوية لا يمكن أن تلمح بسهولة وهناك رأيت مبنى صغيرا لا يمكن أن يوصف، بل حتى لا يمكن التعرف عليه بأي حال من الأحوال على انه كنيس يهودي؛ لان المبنى كان يشبه مباني كثيرة نراها بالعادة في مناطق البحرين. وهنا قال نونو: «هو لم يعد قيد الاستخدام في الوقت الجاري ولكننا نأمل أن يتحول جزءا منه إلى متحف صغير وتتم ممارسة بعض الواجبات الدينية، هذا في حال اكتمل العدد». هكذا بدأنا حديثنا ونحن ندخل الكنيس البحريني من خلال باب معدني صغير بعد أن قطعنا سوق اليهود القديم الذي كان يمتاز ببيع الأقمشة والعطور. كما لا يمكن أن يتم تجاهل هذا الكنيس الذي يعد الأول والوحيد في دول الخليج العربية التي تحظى بالعادة بمساجد وببعض الكنائس وبعضها مثل الجارة السعودية لا تسمح بتشييد دار عبادة أخرى غير المساجد.
نظر نونو إلى الزاوية الأخرى من قاعة الكنيس ليقول: «لقد كان هذا الكنيس في يوم من الأيام مكانا لممارسة الطقوس الدينية عند يهود البحرين (السفارديم) الذين قدموا من العراق وإيران في أواخر القرن الثامن عشر وهم المنحدرون بأصولهم ليهود أيبيريا (اسبانيا والبرتغال) ممن طرد في القرنين الخامس عشر والسادس عشر وتفرقوا في شمال إفريقيا واسيا الصغرى وإيران والعراق وبلاد الشام. كما كثيرا منهم كانوا من رعايا الدولة العثمانية في المناطق التي تخضع لسيطرتها، وكانت لهم لغة خاصة هي «لادينو» وكانت اللغة مزيجا من اللغة اللاتينية وتحوي كلمات عبرية، ولكنهم تحدثوا لغات البلاد التي استوطنوها، كالعربية والتركية والإيطالية.
جلس نونو على احد المقاعد الخشبية في الكنيس الذي لايزال تنقصه بعض المقتنيات والأدوات مثل الشمعدان اليهودي وكتاب التوراة وهو يشرح: يهود البحرين الذين يبلغ عددهم اليوم نحو 50 فردا وصل عددهم إلى هذا الرقم بسبب الهجرات المتكررة وعاداتنا تأثرت كثيرا بأهل المنامة رغم احتفاظنا بعاداتنا اليهودية. وأضاف نونو معلقا: لا تنسى أن هذا ما يعكس جزءا من طبيعة البحرين وأهل المنامة وهذا ما ميز البحرين عبر التاريخ في المنطقة الخليجية، الدولة العربية الوحيدة في الخليج التي تضم كنيسا في وسط السوق منذ 100 عام ومقبرة لليهود وهذا دون شك يعكس طبيعة التسامح عند أهل المنامة منذ زمن طويل». وأضاف نونو «الحياة الدينية للبحرينين اليهود محدودة داخل منازلهم وهم لا يصلون في الكنيس لأنه من الصعب أن يتجمع النصاب الديني وهو عشرة رجال لإحياء الصلوات فيه، وبدلا من ذلك فإن الصلوات والاحتفالات تقام في المنازل».
ثم علق وهو يشير إلى المساحة الكبيرة التي وضعت فيها أطقم من الكراسي الخشبية تشبه تلك التي تستخدم في كنائس المسيحيين «لقد ظل هذا الكنيس الذي يبلغ عمره أكثر من ثمانين عاما، مغلقا لفترة طويلة بعد أن تعرض لتخريب في العام 1948 وسرق منه كتاب «التوراة» المقدس الذي أعيد لنا فيما بعد». ثم اخذ يتكلم نونو عن واقعة سرقة كتاب «التوراة» من الكنيس وكيف ان من سرقه جاء بنفسه بعد عدة سنوات وهو يعتذر لأسرته بعد أن أصابه البلاء من بعد تحطيم أبواب الكنيس وسرقة التوراة». هذا ما حدث بالضبط والآن التوراة محفوظ وموجود بأحد المدارس اليهودية في شمال لندن». واضاف نونو «لقد أعاد والدي بناء الكنيس وبحسب العادات هناك فصل بين الرجال والنساء وترتدي النساء غطاء على الرأس ويرتدي الرجال طاقية دائرية صغيرة (Capel).
وأوضح نونو في ختام زيارة الكنيس أن اليهود اليوم اقل تحفظا في البحرين بسبب الدعم الحكومي وتقلدهم مواقع مختلفة الا انهم على الصعيد الحياة اليومية لا يرتدون الطاقية على رؤوسهم وهم يتنقلون من مكان لآخر خاصة بين الرجال إلا ان نونو ارتداها في إحدى الفعاليات الرسمية، أضف إلى ذلك انه دائما ما يرتدي في رقبته «ميزوا» وهي نوع من الحجاب للحفظ من الحسد وهي عادة شرقية عند يهود البحرين التي تشبه كثيرا الحجاب الذي يحفظ به ايات من القران ويلبس حول الرقبة من اجل الحفظ أيضا من العين والحسد.
ودعى نونو بعد أن سار باتجاه سوق اليهود القديم حاملا معه كماً كبيراً من الذكريات والتطلعات لطائفته وثقافته التي مازالت صغيرة في حجمها وهو يبقى سؤالا يقلق مصير هذه الطائفة خاصة في ظل غياب مدرسة عبرية كانت يوم ما موجودة وكنيسا يعج بمرتاديه من أبناء الطائفة ومناسبات كثيرة وحاخام وتزاوج اذ كان آخر زواج يهودي عقد في البحرين بحضور الحاخام في العام 1968.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.