اليهوديان صالح وداوود الكويتي: أسسا الموسيقى العراقية… والحفيد «دودو تاسا» أعاد تقديم أغانيهما بتوزيعات جديدة

 

* الموسيقار المصري الكبير محمد عبد الوهاب أبدى اهتماما خاصا بالالحان العراقية ونقلها من صالح الكويتي بالنوتة خلال  لقاءاتهما في بغداد.

*زارت بغداد سيدة الغناء العربي أم كلثوم وأعجبت بأغنية قلبك صخر جلمود التي لحنها صالح الكويتي للمطربة سليمة مراد. وقد غنت أم كلثوم هذه الأغنية في حفلاتها … وهذه هي المرة الوحيدة التي غنت فيها كوكب الشرق لملحن غير مصري.

* في عام 1947 وضع صالح الكويتي الموسيقى التصويرية لاول فيلم سينمائي عراقي«عليا وعصام » ولحن جميع اغانيه التي ادتها بطلة الفيلم المطربة سليمة مراد.

 

جمينا: الأخوان صالح وداوود عزرا يعقوب الكويتي هما يهوديان عراقيين ولدا في الكويت،وكانا موسيقيين اشتهرا في ثلاثينيات وأربعينات القرن العشرين بوضع ألحان لمغنيي تلك الفترة، بالإضافة لوضع العديد من المقدمات واللزمات الموسيقية.

وعرف صالح – ولد في عام 1908 وتوفي عام 1986- وداود – المولود في عام 1910 وتوفي عام 1976- في جميع الأوساط بـ «الاخوين صالح وداود الكويتي» بالرغم من كونهما عراقيان ويحملان الجنسية العراقية قبل أن تسقط عنهما . ويتسائل الكثير من الناس عن السبب الذي جعل هذين الفنانين يلقبان بـ «الكويتي» مع انهما ليسا كويتيان . ويعود السبب بهذه التسمية الى انهما ولدا في مدينة الكويت وترعرعا بها في طفولتهما وظلا بها حتى مطلع شبابهما . ومع ان الاخوة بالكويت يفتخرون ويعتزون بالفنانين صالح وداود الكويتي الا انه يجب ان نعرف بانهما لم يحملا قط الجنسية الكويتية بل ظلا يعتبران طيلة مدة مكوثهما هناك من المقيمين الأجانب .

وترجع اصول الفنانين صالح وداود الى اسرة يهودية كانت تسكن منطقة العمارة جنوب العراق وتحترف التجارة كمهنة وحرفة تعتاش منها .

ولد صالح الكويتي – الأب الحقيقي للموسيقى العراقية المعاصرة – في منطقة شرق في مدينة الكويت لأسرة يهودية من أصل عراقي وقد ابدى صالح وكذلك اخوه داود شغفا بالموسيقى منذ الصغر، وتلقيا دروسا في العزف والغناء لدى الموسيقار الكويتي المعروف خالد البكر.

كان صالح وداوود من أهم الموسيقيين في العراق، بعد أكثر من 10 سنوات قضياها يتنقلان بين مدنه وضواحيه، يشكلان الهوية الموسيقية العراقية الحديثة، بالعمل على تطوير المقامات الموسيقية وتقديم ألحان لكل مطربي تلك الفترة، وعلى رأسهم بالطبع سليمة مراد باشا، التي كانت أول من اقترح على صالح أن يلحن لها، بعد أن كان عازفًا مع شقيقه في فرقة المطرب العراقي محمد القبانجي، ثم فرقة سليمة.

قدم الأخوان كثيرًا من الألحان، وصلت إلى ما يقارب 500 لحن، ولحن صالح الموسيقى التصويرية لأول فيلم عراقي عام 1947، وقدم ألحانًا للمطربة السورية زكية جورج، التي جاءت من حلب إلى بغداد في بداية العشرينيات، ولحن أيضا لـصديقة الملاية ونرجس شوقي ومنيرة الهوزوز وعفيفة إسكندر، ولحن داوود وغنى أيضًا، وشكل الأخوان، مع هؤلاء المطربين والعازفين، النواة الأولى لشكل الموسيقى العراقية الحديثة.

 

البدايات

في البداية تعلما صالح وداوود الالحان الكويتية والبحرينية واليمانية والحجازية. وتعرفا على الموسيقى العراقية والمصرية بالاستماع إلى اسطوانات. وحين تقدما في العزف والغناء اخذا يشتركان في احياء حفلات لدى المعارف والاقرباء والشيوخ والوجهاء في الكويت اولا ثم في اقطار الخليج.

كان صالح الكويتي ماهرا في العزف على الكمان واشتهر اخوه داود بالعزف على العود. وفي عام 1927 رافقا المطرب الكويتي المعروف عبد اللطيف الكويتي إلى البصرة لتسجيل اسطوانات.

في البصرة نال الاخوان الاعجاب والتقدير من مطربين عراقيين كبار ومن العاملين في حقل الموسيقى والغناء. كما استغلا وجودهما هناك لتوسيع مداركهما في اصول المقام العراقي وتفرعاته.

في عام 1929 قررا الانتقال نهائيا إلى بغداد حيث عملا كعازفين في ملهى الهلال، وهناك اقترحت المطربة العراقية المشهورة سليمة مراد على صالح الكويتي ان يحاول تلحين بعض الاغاني، فاخذ قطعا شعرية من الشاعر الغنائي المعروف عبد الكريم العلاف ولحن في فترة قصيرة عدة اغان منها قلبك صخر جلمود، هوّه البلاني، آه يا سليمة، ما حن عليّ، منك يا اسمر، خدري الجاي خدري. لقيت هذه الاغاني إقبالا منقطع النظير من قبل الجمهور، الامر الذي شجع صالح الكويتي علي إعطاء التلحين اهتمامه الأول.

عام 1932 كان لصالح الكويتي لقاء فني هام مع الموسيقار المصري الكبير محمد عبد الوهاب الذي زار بغداد لاحياء حفلات غنائية على مسرح حديقة المعرض. وقد ابدى عبد الوهاب في حينه اهتماما خاصا بالالحان العراقية ونقلها من صالح الكويتي بالنوتة في لقاءاتهما الليلية، وخاصة لحن اللامي الذي وسعه صالح الكويتي ولم يكن معروفا خارج العراق وقد استعمله عبد الوهاب فيما بعد في تلحين عدد من اغانيه.

– في 20 تشرين الثاني 1932 زارت بغداد سيدة الغناء العربي أم كلثوم وأعجبت بأغنية قلبك صخر جلمود التي لحنها صالح الكويتي للمطربة سليمة مراد. وقد غنت أم كلثوم هذه الأغنية في حفلاته بعد أن علمتها سليمة مراد اللحن والكلمات. وهذه هي المرة الوحيدة التي غنت فيها أم كلثوم لملحن غير مصري.

– حين اقيمت الاذاعة العراقية عام 1936 كلفت الحكومة صالح الكويتي بتشكيل فرقة الاذاعة الموسيقية. وقد عملت هذه الفرقة برئاسته إلى ان استقال عام 1944، وقد استمر في تقديم برامج خاصة في الاذاعة بعد استقالته.

– في عام 1947 وضع صالح الكويتي الموسيقى التصويرية لاول فيلم سينمائي عراقي – عليا وعصام – ولحن جميع اغانيه التي ادتها بطلة الفيلم المطربة سليمة مراد.

– في عام 1951 وبحكم الظروف السياسية  صدر قانون إسقاط الجنسية عنهما و ترك الشقيقان صالح وداود الكويتي العراق، فكان ذلك بالنسبة لهما نهاية حقبة حافلة بإنتاج فني غزير منحهما مكانة مرموقة في الاوساط العراقية الشعبية والرسمية على حد سواء

الحفيد دودو تاسا

لم يلمع أبناء الأخوان صالح وداوود في عالم الفن و الموسيقى، لكن الحفيد «دودو تاسا» أحب الموسيقى والغناء وعرف أهمية جدَّيه ورد لهما جزءًا من حقهما الضائع، وأعاد تقديم أغانيهما بتوزيعات جديدة مزجت بين صوتيهما وصوته.

أصدر تاسا في العام 2011 الألبوم “دود تاسا والكويتيون” الاسم الذي أصبح اسم فرقة تاسا الموسيقية. تأسس الألبوم على أغانٍ كلاسيكية عراقية من النصف الأول من القرن العشرين والتي ألّفت وغنيّت على يد داود وصالح الكويتي، جد تاسا وأخيه. بدأ تاسا العمل على الألبوم عشر سنوات قبل صدوره، وبعد أن أدى أغنية فوق النخل كجزء من الموسيقى التصويرية لفيلم “إتجه يسارا بعد آخر الدنيا” (Turn Left at the End of the World). بعد هذه التجرية الأولية، بدأ تاسا بجمع الأغاني التي ألّفها وأدّاها الأخوان الكويتي، وضمها في ألبوم مع موسيقى حديثة. احتوى الألبوم على تسجيلات أصلية للأخوين الكويتي وجوقتهم العراقية. لقي الألبوم نجاحا كبيرا.

دودو تاسا
دودو تاسا

 

«نشيد الإنشاد» البغدادي كما صاغه صالح وداود الكويتي

يقول الكاتب والباحث العراقي علي عبد الأمير: حملت الأنغام، في قديمها وجديدها، تلويحات أشواق وفخر وأوصاف للذكرى متوجهة بما يشبه التحية لبغداد ورمزها الحي المتجدد أبد الدهر: نهر دجلة. لكن قلة منها عنيت بالملامح الطبيعية والبشرية التلقائية لذلك الرمز، بعيداً من الإحالات المناسباتية، “وطنية” كانت أم تربوية موجهة، بل إن من بين تلك القلة ما بدا مخلصاً لعبقرية المكان الطبيعي، أي النهر والملامح الإنسانية المتشكلة حوله ومنه.

أغنية (على شواطي دجلة.. مر) هي تمثيل فذ لذلك المعنى الفريد الذي يتدفق طواعية في مشاعره، كما مويجات النهر وشواطئه.

الأغنية هي من إبداع ذلك الثنائي الذي لو نظرنا إليه بشيء من الإنصاف، لكان من أوائل الذين وضعوا الأساس لهوية وطنية روحية وثقافية عراقية، فقد صاغ كلمات الأغنية الشاعر والباحث والصحافي عبد الكريم العلّاف، ووضع لحنها، الأب الحقيقي للموسيقى العراقية المعاصرة، صالح الكويتي (بالتعاون مع شقيقه داود)، وغنتها أول مرة سليمة مراد.النص مقام على قراءة شعرية لملامح بيئية وإنسانية تتعلق بالامتداد الجغرافي الذي يعنيه مرور النهر في بغداد، حيث يتجه أهلها في أيام الصيف، صوب شاطئ دجلة الممتدة من الباب الشرقي حتى الكرادة الشرقية، ويقيمون فيها بيوتاً صيفيةً من الحصران والخشب، معروفة باسم “الجراديغ”. تطل واجهاتها الأمامية على النهر وتحفّ بواجهاتها الأخرى الخضروات والأزهار، ويمضون فيها حياة هانئة، حيث الحرية المطلقة والجو اللطيف فيتسامرون في لياليهم على ضوء القمر.

نحن هنا أمام احتفال إنساني بالطبيعة وجغرافية المكان وملمحه الأبرز، أي النهر وهو ما عبّر عنه الشاعر العلاف بروح آخاذة تجمع التصوير والتلقائية الشديدة: “شوف الطبيعـة/ تزهـي بديعة، إبليلة ربيعة/ يضوي البدر”.

ففي تلك المسرات البسيطة المتشكلة من “المصايف”، والتعايش الأنيس مع الأوقات الليلية “يشعر الإنسان بالبهجة والسعادة وهو مستلق على سريره وينظر إلى ما حوله من المناظر الخلّابة، وقد ارتدت الطبيعة حلتها الزاهية في الليالي المقمرة فتحلو في مياه دجلة السباحة وركوب القوارب، ولقد كانت تلك تموج بآلاف المصطافين مع غروب الشمس وبعده، فمنهم من يقضي الساعات الطوال في الماء ومنهم من يتحول بين الخضرة والأزهار. بينما اعتاد فريق آخر أن يستقل الزوارق للتنقل من جزرة (جزيرة) إلى جزرة ومن شاطئ إلى شاطئ بمصاحبة الغناء والموسيقى. وتلك الحياة عند البغداديين كانت أحلى أيام حياتهم حيث المتعة واللذة”، كما يلفت “كتاب الأغاني القديمة، أزجالها… ألحانها… حكاياتها”، لمؤلفه حمودي إبراهيم الوردي.

هذه الملامح من النشاط الإنساني المتصلة بهيبة المكان، يترجمها الشاعر الذي كتب كلمات معظم الأغنيات التي تشكل اليوم الذاكرة الشعبية العراقية: “لفـرش ابرمله/ على شاطي دجلة، والماي دهله (غرين)/ هلّ (هذا) المنحدر”.

وكان هذا الملمح المعني بالتصوير البيئي والبشري لمكان محدد، شكّل ريادةً  كبيرة، فهو غيّر الصورة الثابتة عن الغناء بوصفه أشواق محبين وشكواهم، مع أن النص لم يخلُ من هذا الجانب العاطفي المهم، لكنه جاء متوافقاً مع النسيج التصويري للمكان، حتى أن عبارات الحب والوله جاءت متأثرة بما يفيض به المكان وجغرافيته: “لكَعـد ابـفيـك/ لو سطـع ضيـك، وأمشي على حيك/ صبح وعصر”، بل ثمة تعبير ينتمي إلى حداثة تعبيرية حقيقية، كما في قول الشاعر: “واكتب ابوصفك/ نظـم و نثـر”، قبل أن يذهب في مناجاة المعشوق الهاجر بعبارات صريحة ” كَلبك الكاصي (القاسي)/ كطّع انفاسي، لا تظن نـاسي/  يـوم الهجر”، وحتى في هذا نلاحظ العبارة الدالة على الانتظار واللهفة حد “الأنفاس المتقطعة”، وهو تعبير ذو منظور حداثي، لا سيما إذا راعينا زمن النص الغنائي (أربعينات القرن الماضي).

إذا كانت هناك أناشيد معاصرة عدة تصوّر بغداد ونهرها الخالد، فهذا “على شواطي دجلة” أجملها، وإذا كانت هناك تلويحات محبة لمدينة كانت تجتهد في ابتكار طريقها والخروج من أزماتها، فالأغنية هي أجمل تلك التلويحات، وإذا كان “نشيد الإنشاد” وهو أحد أسفار العهد القديم، يحفل فضلاً عن بعد ديني، بأشواق امراة ورجل، فالأخير ينادي: “كالسوسن بين الشوك كذلك حبيبتي بين البنات”، والمرأة تجيب: “كالتفاح بين شجر الوعر، كذلك حبيبي بين البنين”، فثمة في نص الأغنية ما يتصل بهذا المعنى في مواضع عدة منها “تقـطــف ورودك/ مـن بين اخدودك”، وآني علـى مودك/  أفـدي العمر”.

ما الذي فعله الثنائي اليهودي البارع صالح وداود الكويتي تلحيناً؟ هو أنه وضمن نهجه العبقري، صاغ لحناً قائماً على السهل الممتنع، لجهة بساطة النغم الذي يترسّخ في الذاكرة عبر ترديد اللازمة “على شواطي دجلة.. مر” ولكن بنسيج نغمي تصويري يحاكي تدفق النهر، فجاءت المقاطع مطواعة التأثير تندفع بتأثيراتها شيئاً فشيئاً في روح المتلقي ومشاعره، مثلما اتصل اللحن بشكل المتوالية الغربية “الروندو”، وهذا انعكس في أداء (اليهودية) سليمة مراد للأغنية، حين جاء صوتها متأسياً، على رغم ما عرف عنه من قوة واضحة.

وفي باب تحليل أداء الأغنية، سنتعرف إلى أدائين لسليمة مراد، أحدهما هو الأصلي الذي حفظته أسطوانة “بيضافون”، وثالث حديث يتصل بالأصل (الكويتي)، عبر أداء المغني الشهير الذي بات يفخر بأصوله الثقافية العربية بعد بحث مضنٍ عن الهوية، دودو تاسا، حفيد داود الكويتي لابنته. تاسا سعى بجهد إلى تجاوز عثرات “اللفظ” البغدادي الثقيل عليه، عبر مزاوجة فريدة وعميقة، بين اللحن الأصلي والشكل الحديث (فرقة روك)، فجاءت الأغنية هنا بمثابة تحية رقيقة للثنائي الرائد وأثره العميق الذي طبع فيه الموسيقى العراقية المعاصرة، ونقل عبره الأنغام من التلقائية الشفاهية إلى المعاصرة الواعية، وظلّ حاضراً في البيئة البغدادية ثقافياً واجتماعياً، على رغم الترحيل القاسي من العراق ، نهاية أربعينات القرن الماضي، وعلى رغم القسوة التي انطوى عليها قرار السلطات العراقية، بعد مجيء البعث إلى السلطة 1968- 2003، بإسقاط عائدية ألحان الكويتي واعتباره “من التراث”.

أقوال

– قال المايسترو عبد الرزاق العزاوي في برنامج “الأغاني” الذي أذاعه تلفزيون “الحرة” العراقي عام 2005 : “إن صالح الكويتي يعتبر مؤسس الاغنية العراقية، وعلى الرغم من أنه بدأ في الثلاثينات إلا أنه يعتبر المؤسس وواضع الأسس والقواعد للأغنية العراقية، والذين جاءوا بعده من الملحنين أخذوا على نهجه ومدرسته في التلحين والصياغات اللحنية والايقاعية، وهو كان أول من أسس الأغنية المأخوذة أساسا من المقام العراقي.

– قال الناقد الموسيقي عادل الهاشمي في نفس البرنامج : “يمكن القول أن صالح الكويتي هو من أعظم الملحنين الذين أنجبهم العراق في العصر الحديث، وأنا أشاطر العزاري فيما يتعلق بأنه منشيء الأغنية العراقية الحديثة.

– الفنان وخبير المقام العراقي حسين إسماعيل الأعظمي قال في كتابه “المقام العراقي إلى أين” إن الملاحظ في الأغاني التي لحنها صالح الكويتي “تماسك البناء اللحني المستقى روحياً من الخزين التراثي المقامي.. واقتراب اللحن من التصوير المتقن لكلمات الاغنية ومعان”

في يوم 27 نوفمبر 2008 تمت إقامة حفل للاحتفال بذكرى ميلاده المئوي في جامعة لندن في مركز الدراسات الشرقية والأفريقية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.