التسامح ظاهرة طبيعيه

بقلم : مني عبد العزيز

بعد نحو أربعة عقود من توقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، في 26 مارس (آذار) 1979 بالعاصمة الأميركية واشنطن، أدركت دول كثيرة في منطقة الشرق الأوسط والخليج، أن السلام والتعايش وثقافة التسامح هي السبيل الوحيد لمواجهة التحديات التي تواجهها منطقتنا، ومن أبرزها العنف والتطرف.

ورغم مرور كل هذه السنوات، ما زال البعض يحاول، لا سيما بعض رجال الدين المتشددين والإعلاميين خاصة القوميين والناصريين، يحاولون زرع الفتن بين الشعوب الداعمة للسلام والتسامح ودفعها نحو العنف والتطرف. لذا، من المهم والضروي إنقاذ الأجيال الناشئة من ذلك الفكر الظلامي من خلال زرع روح التعايش مع الآخر في نفوسهم، وتربيتهم على ثقافة التسامح ونبذ العنف.

يرى الفيلسوف النمساوي كارل پوپر أن «المجتمعات قادرة على مواجهة العنف الاجتماعي وتجفيف مصادره وتقليص آثاره إلى الحدود الدنيا، وذلك من أجل بناء السلام والأمن والحرية. وتلك هي الشروط الأساسية في بناء الحضارة الإنسانية».

وعلى مدى عقود، كان الصحافيون ورجال الأعمال في معظم البلدان العربية متضامنين في عدائهم العلني للسلام مع إسرائيل وشعب الدولة العبرية. ولكن دعونا نكون صادقين مع أنفسنا، ففي كل غرفة أخبار، ونقابة ثقافية أو فنية، وفي بعض صالونات الكتّاب والمبدعين والمفكرين، كانت هناك دائمًا أصوات ترفض الفكر الظلامي أو الرمادي، لا تؤمن بعزل الدولة العبرية ولا بمقاطعتها سياسيا ولا اقتصاديا، ولا ثقافيا، ولا فنيا ولا رياضيا، وتلك الأصوات تظل أكثر انفتاحًا على المشاركة المباشرة، فهم يعرفون أنه عندما هرب اليهود من الأراضي العربية إلى إسرائيل نتيجة تعرضهم إلى التعذيب والقتل، يدركون أننا فقدنا جزءًا من روحنا الجماعية، حيث كان اليهود جزءا مهما من المجتمع، ساهم في بناء الحضارة، وكان له النصيب الأكبر في ازدهار التجارة والصناعة، إضافة إلى النوابغ الفنية والثقافية والعلمية.

وإذا استطعنا بطريقة ما استعادة هذه الصلة مع أبناء وأحفاد اليهود الذين غادروا الأراضي العربية وأوطانهم التي ولدوا وترعرعوا فيها، على غير رغبة منهم، سوف نستعيد جزءا كبيرا من روح التعايش وثقافة التسامح. فليس من المهم أين يعيشون، وماذا يعتقدون، ولكن من المهم أن نتمكن من الحصول على شيء حيوي لمستقبلنا. يجب على الإعلاميين العرب الذين يؤمنون بقيم التعايش والتسامح، المجاهرة بتلك الآراء، لتفويت الفرصة على طيور الظلام الذين يتبنون ثقافة العداء والفرقة والعنف، ولا يؤمنون بالتسامح والتعايش بين الشعوب والأديان. إن مواجهة العنف والتسلط والجهل لا يمكن أن تأتي إلا ببناء الروح الإنسانية المناهضة للاستبداد.

يقول پوپر: «إن رفض العنف يجب أن ينبع من داخل الأفراد أنفسهم في المستوى الأول، لأن سعي الحكومات لن يفي أبداً بالغاية، وهذا بالتالي يتطلب وجود إيمان كبير من الأفراد برفض العنف والإيمان بالتسامح”.

لقد أصبحت اليوم التربية على قيم التسامح والسلام ونبذ العنف أولوية إنسانية واجتماعية وحضارية، تنادي بها الأمم وترفع شعارها في مختلف جوانب الحياة المعاصرة. لقد أدركت الأمم والدول أن التربية على التسامح وقيمه وتأصيل معانيه سيوفران على الدول الجهود الكبيرة في مواجهة العنف والتطرف والإرهاب. ولن تكون الدولة بصدد دفع الفواتير الغالية جداً لاستخدام أساليب العنف في مواجهة العنف عينه، من أجل الأمن، للمحافظة على الأمن العام والسلم الاجتماعي.

ويتضمن التسامح التعامل مع سلسلة من القيم الأخلاقية والمعنوية التي تشجع على الاعتراف بالآخر، واحتضانه في بوتقة إنسانية واحدة، وتقدير التعددية والاختلاف بين الناس والمجتمعات، باعتبارها ظاهرة طبيعية لا بد من الاحتفاء بها وتحويلها إلى فرص للتضامن والتكاتف بين الثقافات والأديان المختلفة.

(نشر في صحيفة “العرب تلغراف”)- https://bit.ly/2KbyQmu

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.