پول بنحمو

 

يشعر پول بنحمو بأنه قد اقتُلع من جذوره. فعندما حصلت الجزائر على استقلالها في عام 1962اضطر إلى ترك منزله في تلمسان.والمدينة هي موقع لقبر الحاخام عنقاوة، الحكيم يهودي من القرن الرابع. لقد كان آلاف اليهود في شمال أفريقيا يذهبون كل عام إلى المدينة للاحتفال بمهرجان مكرس بصور خاصة للحاخام.

ويتذكر پول التقاليد اليهودية في الحي الذي كان يسكن فيه وعلى الأخص المبنى المكون من ثلاثة طوابق حيث كان يعيش هو وأسرته في إحدى شققه. وكان جميع سكان المبنى من اليهود.

يقول پول: في يوم السبت كنت تسمع تلاوة الدعاء اليهودي عند باب كل شقة، وأضاف إن والده قد توفي عندما كان هو في الثالثة من عمره فقط. ولم يكن معاش التقاعد الذي تلقته العائلة كافياً ولكن الجيران كلهم كانوا يساعدون اسرته مادياً.

وعندما كان طفل انجذب پول إلى الثقافة الأمريكية.يقول، “كنت محباً للثقافة الأمريكية،وتررعت عليها”.

وعندما دخلت القوات الأمريكية المدينة أثناء عملياتها العسكرية في شمال افريقيا في الحرب العالمية الثانية عام 1944، حصل پول على الفرصة للتعرف عليهم عن قرب. وقام بعض الجنود بإعطاء زبدة الفول السوداني وسندويشات والجيلي إلى پول كما عملت والدته موظفة مع تلك القوات؛ فقد كانت تقوم بغسل ملابسهم لتكملة معاش التقاعد الضئيل الذي كانت تقبضه.

وخلال فترة معينة من الثورة الجزائرية ضد الفرنسيين التي اندلعت في عام 1954 كان پول يدرس الأدب الإنجليزي في جامعة ديجون في فرنسا.

يقول پول “في فرنسا جعلوني افهم إنني لم أكن فرنسياً. وقد أغضبني ذلك ولم أتمكن أبداً أن أتكيف مع الثقافة الفرنسية… إن كان ذلك قبل وصولي إليها أو بعدها”.

عندما كان في العشرينات من عمره عاد إلى تلمسان لتعليم اللغة الإنجليزية. وكان قد رجع إلى المكان الوحيد الذي شعر بأنه منزله. كما أن سكان المبنى الذي أمضى فيه طفولته شعروا هم أيضاً بالسعادة.

كما تعلم إن النساء اليهوديات تحاولن دائماً إيجاد إمرأة مناسبة للرجال العزب المستعدون للزواج. وبما أنني كنت مدرساً في ذلك الحين فقد كنت مرشحاً ملائماً.”

إلا أن پول لم يبقى في المدينة، حيث أصبحت الحياة في تلمسان صعبة وخطيرة عندما بلغت الحرب مع الفرنسيين ذروتها. ولكن عندما كان هناك تحمل پول صعوبات الظروف المحيطة.

ويتابع قوله، “أنا من منطقة البحر المتوسط، نحن أناس نحب الاستمتاع بالحياة. ففي خضم القنابل اليدوية كنا نتناول المشروبات في الساعة الخامسة ونستمتع المجاملات والمزاح مع زميلاتنا النساء”.

وكان حظر التجول يبدأ في الساعة الثامنة مساءاً.ونادراً ما كنت تسمع عن مقتل أحد الأقارب أوالشخاص الذين تعرفهم. وقد كان “العنف” يقترب من الناس بصورة أكثر وأكثر ولم يكن بوسع المرء أن يعمل أي شيء. بإمكانك الذهاب إلى مخبأ أو مجرد تقبل مجرى الحياة.

في عام 1961 حصل پول على منحة فولبرايت لدراسة “الأدب الأمريكي” في جامعة آيوا.ويضيف، “في الولايات المتحدة رحب الناس بي كفرنسي”. وشعر بالترحاب بصورة عامة.

وعندما تخلى ديغول عن الجزائر عام 1962، اضطرت والدة پول إلى مغادرة البلاد. فانتقلت الى (غرونوبل) جنوب فرنسا، حيث كان يسكن شقيق پول الأكبر. ويصف كيف تتبع الأخبار عندما أعلن ديغول بأنه سيتعين على المليون مواطن فرنسي من سكان الجزائر مغادرة البلاد. لقد شعر بإصابته بصاعقة.

وبحلول هذا الوقت كان پول قد تعرف على صديقته ريد وتزوجها. وفي حين كانت لديه فكرة بالعودة إلى تلمسان لتعليم الانجليزية إلا انه لم يتخذ خطوة كهذه.

ويقول، “فكرت في العودة إلى الجزائر والتدريس فيها. بعثت برسالة الى القنصلية حول ذلك. ولكن كان شئ حسن بأنهم لم يجيبوا، كيهودي لكنت قد قُتلت”.

وعندما غادر پول في عام ١٩٦١ لم تكن لديه فكرة بأن مغادرته تلك ستكون هي المرة الأخيرة التي سيرى شقته في شارع “رو ديزيكول”. وبسبب الخلفية المتواضعة لعائلته لم يشعر بحدوث خسائر كبيرة في الممتلكات. وبدلاً من ذلك رأى خسارة فادحة في الثقافة.

لقد اختفت أصوات تلاوة الدعاء اليهودي على كؤوس الخمر أيام السبت. تلك الأصوات العشرين المنفصلة لكن المتزامنة في البناية التي كنا نسكن فيها. وجميع الفتيات التي كان [قد عُرض] عليه الزواج منهن قد تفرقن إلى فرنسا أو الولايات المتحدة أو إسرائيل. وانتهى مهرجان الحاخام عنقاوة كما غادر جميع اليهود الذين كانوا يتبجحون بتلمسان.

ودون أن يشعر في أي وقت بأن فرنسا قد تصبح وطنه الجديد، قام بزرع جذوره في السهول الواسعة من الغرب الأوسط الأميركي..

وقُدمت له منحة دراسية إضافية في جامعة آيوا وحصل على درجة الماجستير في الأدب الفرنسي.

في عام ١٩٦٣ أعاد زوجته ثانية إلى فرنسا لقضاء فترة خدمته العسكرية. ويقول كان بإمكانه تجنب تلك الخدمة لكن بسبب وجود إخوانه ووالدته في فرنسا كان يتوجب عليه الخدمة في الجيش الفرنسي.

لكن طوال تلك الفترة كانت نيته العودة إلى أميركا. وعادوا بعد ذلك الى آيوا حيث أنهى پول تعليمه وحاز على الدكتوراه في الأدب الفرنسي.

“عملت زوجتي في إحدى الوظائف. فقد كانت الزوجة الأمريكية النموذجية التي تدفع زوجها للحصول على الشهادة المرجوة. ”

وعندما تخرج عُرضت عليه مجموعة واسعة من فرص التعليم. وتولى منصباً في جامعة پوردو حيث عمل لفترة دامت ثلاثة وثلاثين عاماً قبل أن يتقاعد ويعود إلى “ويست لافاييت” بولاية إنديانا.

واليوم هو مهتم جداً بقضية معاداة السامية في فرنسا وألقى محاضرات حول هذا الموضوع في جامعتي ميشيغان وپوردو.

وبالنسة لپول، إن أمريكا هي أقرب ما تكون إلى وطن الأم ولكن لا يمكن أن تصل إلى أكثر من ذلك.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.