ناتالي زيتوني

 

اسمي ناتالي زيتوني. أود أن أشارككم قصتي الشخصية ومدى ارتباطها بقصة الجاليات اليهودية في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، تلك المجتمعات التي تمتد جذورها إلى اكثر من 2500 سنة، والتي اختفت جميعها تقريباً في يومنا هذا. وعند قراءتكم قصتي، إنني أأمل أن تتفهموا الصورة الأوسع وهي كيف أن ما يقرب من مليون يهودي قد تم طردهم بوحشية من منازلهم في جميع أنحاء شمال أفريقيا والشرق الأوسط. فقد تم إجلاؤهم من أماكنهم التي كانوا يعيشون فيها بسلام بعد أن ساهموا في اقتصاد وثقافة وحياة جيرانهم لأجيال عديدة. وطوال فترة نزوحهم، لعبت إسرائيل دوراً رئيسياً في استيعاب وإعادة تأهيل اللاجئين اليهود.

اسم عائلتي (زيتوني) يعني “الزيتون” باللغتين العربية والعبرية. وقد انتشرت عائلة زيتوني في جميع أنحاء الشرق الأوسط خلال أجيال عديدة – في بلدان مثل سوريا وفلسطين وإسرائيل ولبنان والمغرب وتركيا وحتى إيران شرقاً. كنا في الأصل مزارعي زيتون وتجار في المنطقة. وازدهرنا اقتصادياً وعشنا بصورة مريحة، حيث مارسنا علناً تراثنا اليهودي بين جيراننا الذي كان معظمهم من المسلمين.

وُلدت جدتي في صفد – مركز للصوفية في شمال إسرائيل. لقد أسس اليهود مدينة صفد قبل حوالي 2000 عام. ومع هذا، فقد كان ذلك في أواخر القرن الخامس عشر و[بداية] القرن السادس عشر عندما أصبحت المركز الروحي لليهود في فلسطين والشتات، بجذبها بعض من أعظم العلماء اليهود والمفكرين الدينيين والزعماء الروحيين في العالم اليهودي. والكتب الروحية والتراث الأدبي والفلسفي الغني التي تُركت من قبل أولئك العلماء، قد أحدثت ثورة في الفكر والممارسة الدينية للكثير من يهود العالم في يومنا هذا.

وُلدتُ في عام 1970 في ضاحية صغيرة في غرب بيروت تدعى وادي أبو جميل. وقد عشنا بسلام، أنا ووالديّ سليم ولوسي وشقيقتي روزيتا وشقيقي روجيه، بين الطوائف المسلمة والمسيحية والدرزية والآشورية والمارونية والجاليات اليهودية الأخرى.

في عام 1975 اضطرت عائلتي إلى الخروج من لبنان. كنت في الخامسة من عمري ولم يكن بإمكاني فهم حقيقة ذلك التغيير المفاجئ في ظروف معيشتنا. فـ “الحرب الأهلية” بين المسلمين والمسيحيين والغزو السوري الواسع النطاق للبنان جعلت حياتنا لا تطاق إلى حد كبير.

في عالمي كطفلة، كان يعني الاحتلال السوري للبنان هو عدم اللعب خارج البيت مع الجيران وعدم التحدث مع أحد لا أعرفه وقضاء الليالي في النوم على الأرض في بيت مظلم، بعيداً عن أي شباك حيث يمكن أن ينكسر من جراء القنابل التي كانت تسقط على حيُّنا. كان ذلك يعني عدم الركض واللعب في الشارع ووقف الدوام في المدرسة وعدم قيام الأصدقاء بزيارة بعضهم البعض. لقد شعرت فجأة بأنني أختلف عن جميع الاطفال الآخرين الذين اعتدت اللعب معهم. كنت أشعر بالخطر. كان بإمكاني الشعور بالظلال القاتمة من الخوف والقلق التي كانت تجثم على صدر عائلتي.

وكانت السلطات السورية التي غزت لبنان تعمل بنشاط من أجل اعتقال وتعذيب عائلات يهودية. فقد اتهمت اليهود بالتواطؤ مع إسرائيل. وتم تشجيع الشعب اللبناني بأسره على إعطاء السوريين أي اسم لعائلة يهودية وعنوانها، ومن ثم قد يتهمونها بالتواطؤ مع إسرائيل.

وحتى جيراننا في البيت المجاور الذين كانوا أصدقاءنا الأعزاء وشاركنا معهم الكثير من اللحظات الأكثر أهمية في حياتنا، أصبحوا يشتبهون بنا ويعادوننا وتجنبوا الاتصال معنا. لقد كان ذلك بمثابة ضربة رهيبة جعلتنا نشعر معزولين وخائفين أيضاً مما قد يجلبه المستقبل.

وفي إحدى الليالي المظلمة، أطلق قناص النار على غرفة نومي، ولكن الرصاصة أخطأتني ببضع بوصات. شعرنا بأنه ليس هناك من نستطيع أن نستنجده، فلا جيراننا ولا السلطات سيساعدوننا وكنا نخشى من أن تكون هناك حتى عواقب أكثر سوءاً إذا ما حاولنا إبلاغ السلطات عن الحادث.

وفي مناسبة أخرى تم اعتقال وإهانة عمّي والعديد من أصدقاء والدي من قبل “السلطة السورية الحاكمة”. فقد اتهموهم بالتعاون مع إسرائيل لمجرد كونهم يهود. وعندما كانوا في السجن، كافحت عائلتنا من أجل البقاء ورعاية الأطفال الصغار والشيوخ، حيث كانت تعيش في هاجس كبير من الخوف من مأساة جديدة وغير متوقعة قد تحل بنا.

وأصبح والديّ يشعرون بقلق متزايد من أن تدهور الوضع في منطقتنا من شأنه أن يهدد سلامة أخي الذي كان في سن المراهقة. فقرروا إرساله إلى تورنتو، كندا، للعيش مع أحد أعمامنا هناك. وعلى الرغم من أنه نجا من العداء والعنف المتصاعدين في لبنان إلا أنه توفي في حادث سيارة في تورونتو في نفس العام الذي وصل فيه إلى المدينة. إن الخبر المروع عن وفاة شقيقي الذي كان يبلغ من العمر 18 عاماً قد جاء علينا كضربة ساحقة.

وبعد بذل جهود كبيرة من قبل أفراد الأسرة، تم الإفراج أخيراً عن عدد قليل من أصدقاء والدي وعمي من السجن. كان ذلك عندما قررنا جميعاً أنه من أجل البقاء على قيد الحياة لم يكن لنا خيار سوى مغادرة لبنان. ولكن قبل أن نتمكن من المغادرة، جمدت السلطات أصول عائلتنا، ومنعتنا من الحصول على جوازات سفر. وكان على والدي أن يستغل جميع اتصالاته مع المسلمين والتوسل من أصدقائه القدامى لدعمه. اضطررنا إلى الحصول على أوراق مزورة لأن وجود اسم يهودي على جوازات سفرنا كان سيمنعنا بتاتاً من مغادرة البلاد. ولم يمض وقت طويل قبل مغادرتنا حتى أُلقي القبض على عمي للمرة الثانية حيث أُرسل إلى أحد السجون السورية. وقد اختفى إدغار ساسون والدكتور حلاك وغيرهم من كبار قادة رجال الأعمال في الطائفة اليهودية الذين كانوا من أعز أصدقاء عائلتي، ولم يُعثر عليهم أو يسمع عنهم أبداً بعد ذلك.

بنظرنا إلى الوراء على حياتنا…فقد صودرت بيوتنا.وجُمدت حساباتنا المصرفية.وأُبطلت جنسيتنا.وكانت جريمتنا الوحيدة هيكوننا يهود.غادرنا لبنانمع حقيبتين في أيدينا.

كنا لاجئينولم تكن هناك أي دولة نذهب إليهاولا أي أرض نستقر فيها،ولا بيت نشعر فيه بالأمانولم يكن هناك معبد للصلاة فيه.

وعلى الرغم من الأسى والألم والمعاناة والمحنة النفسية والجسدية الهائلة، شعرنا سعيدين وغادرنا مع أمل كبير في قلوبنا لنبدأ حياتنا الجديدة في إسرائيل مع اليهود الآخرين من الدول العربية البالغ عددهم حوالي 650000 شخص والذين تم استيعابهم في إسرائيل.

لقد فتحت إسرائيل أبوابها ورحبت بعائلتي. كما استوعبت ألمنا ووفرت لنا المأوى والتعليم والرعاية الصحية والثقافة والمجتمع المحلي. ففي إسرائيل تذوقت الأمل في بدء حياة جديدة. وعند أوّل وصولنا إلى البلاد، كان علينا مشاطرة شقة عائلة عمي المزدحمة بالفعل والمكونة من غرفة نوم واحدة في بلدة صغيرة جنوب تل ابيب. واليوم ما يزال والديّ يعيشان بسعادة في إسرائيل. ففي تلك البلاد وجد والديّ منزلاً أكثر أماناً من لبنان. كانوا يستطيعون الحصول على رعاية صحية ونظم تعليمية أفضل، وكانوا جزءاً من مجتمع من الناس المحبين والداعمين لهم. وفي إسرائيل وجدوا حرية الدين وتمكنوا من الاحتفال بالأعياد وممارسة تقاليدهم القديمة دون خوف من الاضطهاد. لقد قررنا أنا وأختي مغادرة إسرائيل إلى الولايات المتحدة، حيث أردنا المجئ إليها لتجربة العيش في العالم الغربي والاندماج في مجتمع أكبر من شأنه أن يوفر لنا فرصاً أعظم للنمو والتأثير على الأوضاع في العالم. وقد غادرت أختي إسرائيل في عام 1987 وأنا وصلت بعدها بإحدى عشر عاماً. وتسكن أختي الآن مع عائلتها في نيوجيرسي وأنا أسكن في سان فرانسيسكو.

لو سألت والدتي التي تبلغ من العمر 72 عاماَ ووالدي الذي يبلغ من العمر 81 عاماً، لقالا لك أنه لم يكن أحد يتصور من قبل أنه بعد سنوات وسنوات من العيش في سلام وازدهار واندماج تام في المجتمع اللبناني، تتمزق فجأة بنية حياتهم، لمجرد كونهم يهود. وقد قال لي والدي أنه من غير المهم كم ساهمتَ في بناء بلدك، وكم كنت تشارك وتراعي مجتمعك، فعندما تصبح الأمور قاسية، فاليهود هم أول مجموعة عرقية يشتبه بها وتُستهدف في عمليات الـ “تطهير”.

وبالنسبة لأولئك المعادين للسامية في العالم العربي لم يكن مهماً أننا نتكلم – أنا وعائلتي – العربية بطلاقة، وأن طعامنا والموسيقى التي نسمعها واختيارنا للألوان وجميع ثقافتنا قد تأثرت بالثقافة العربية. ففي نواح كثيرة كنا يهود من الشرق الأوسط. وخلال الستينات من القرن العشرين كان يعيش ما يقرب من 15000 يهودي في لبنان، واليوم لا يزال هناك يهود يعيشون في لبنان يصل عددهم إلى حوالي 20 شخص. أنا أُمثل ذلك الجيل الأخير من الطائفة اليهودية اللبنانية.

وعندما أتحدث عن الطوائلف التي اختفت، فأنا أشير إلى التراث اليهودي – العربي الفريد الذي كان واضحاً في الطعام والموسيقى والطقوس والعادات والقيم واللغة، وترتيل صلاة يوم السبت. إن هذا المزيج الثقافي الفريد والجميل يتلاشى بسرعة نحو الماضي، ويتم نسيانه ومسحه من قبل أنظمة عربية مسلمة كانت معادية للسامية في ذلك الحين ومستمرة اليوم أيضاً في الاتجاه نفسه.

قصة عائلتي تمثل قصة ما يقرب من مليون لاجئ يهودي، الذين هم السكان الأصليين في العالم العربي. فالكثير منهم طردوا بوحشية من تسع دول عربية مسلمة، بما في ذلك مصر وسوريا والعراق وإيران والمغرب، الخ.

إن هؤلاء اليهود الذي يقرب عددهم من مليون شخص قد تركوا بيوتهم وتراثهم الغني وثقافتهم الفريدة وجميع ممتلكاتهم الدنيوية، بما في منازلهم الجميلة ومجموعاتهم الفنية ومعابدهم ومدارسهم. وقد تم على الفور الاستيلاء على جميعها من قبل جيرانهم السابقين من غير اليهود، والكثير منهم كانوا سابقاً أصدقاء وشركاء تجاريين. واليوم، وفقاً لاحصاءات “المنظمة العالمية لليهود من البلدان العربية” (“ووجاك”) من عام 2004، هناك أقل من 5400 يهودي ما يزالون يعيشون في البلدان العربية المسلمة وأقل من 25000 يهودي في إيران.

إن منطقة الشرق الأوسط هي اليوم مرجل من الفوضى والتغيير. وما هو غير معروف هو أن اليهود عاشوا أكثر من 2500 عام في ما يعرف اليوم بالدول العربية. فمجتمعاتهم تعود إلى ما قبل تاريخ بروز الإسلام في القرن السابع أي قبل 1400 عام. فالجاليات اليهودية من شمال أفريقيا إلى العراق يعود تاريخها إلى زمن البابليين عندما دمر هؤلاء الهيكل اليهودي الأول في القدس قبل أكثر من 500 من ولادة المسيحية. وكل هذا قبل وقت طويل من تأسيس الدول العربية المسلمة المعروفة في أيامنا هذه.

وطوال حياتنا، لعبت أرض إسرائيل دوراً حاسماً. إنني أأمل مخلصة أن هذه القصة الشخصية سوف تساعد في إعادة تثبيت السياق التاريخي للاجئين اليهود من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والدور الحاسم الذي لعبته إسرائيل في استيعاب وإعادة تأهيل اللاجئين اليهود من جميع أنحاء العالم. وبسردي قصتي إنني آملة في أن تساعد في إحلال السلام للنزاع في الشرق الأوسط. يجب علينا أن نستمر في تعزيز السلام والديمقراطية والتقاليد اليهودية للتعايش مع جميع التقاليد الأخرى في العالم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.