«سموحة»… حكاية للتعايش والتنوع

صورة مصغرة لقصة ما يقرب من مليون يهودي الأصل في العالم العربي اختفوا من المشهد العام

إذا سألت أي شاب مصري ماذا تعني كلمة «سموحة»، فعلى الأرجح أن يخبرك أنه فريق لكرة القدم في الإسكندرية – وذلك اعتباراً من أبريل (نيسان) 2016 عندما احتل المرتبة الثالثة في الدوري المصري الممتاز لكرة القدم. وقد يعرف أن الفريق أخذ اسمه من منطقة سموحة العريقة في الإسكندرية.
لذلك لم يكن مستغرباً أنه عندما قدم المواطن السويسري ريتشارد سموحة مؤخراً جواز سفره إلى رجل من أصل مصري في مطار في أمستردام، سأله الضابط: «هل تعلم أن شهرتك مأخوذة من اسم مكانٍ في مصر؟».
إلا أن جواب الرجل فاجأ الضابط لأنه قال له: «في الواقع تمت تسمية المكان في مصر على اسم جدي». وقد يتفاجأ الكثير من المصريين عندما يعرفون أن من بنى مدينة سموحة هو جوزيف سموحة جد ريتشارد، وكان يهودياً عراقياً، ولد في بغداد عام 1878. 

الجالية اليهودية السكندرية


انتقل جوزيف في سن 14 مع عائلته إلى مدينة مانشستر البريطانية، حيث حصل على تعليمه وبدأ مهنة مزدهرة في مجال الأقمشة. ولكن في سن 36 ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى أغلق عمله وعرض نفسه للخدمة العامة. وما أغراه وأبعده عن عمله في الحكومة وأعاده إلى القطاع الخاص كان حلماً – رؤية – لم يحققه في بلده الأم ولا في بريطانيا العظمى ولكنه استطاع تحقيقه في مصر. وفي 1923، أثناء زيارته لمصر بالنيابة عن الحكومة البريطانية، وجد نفسه يركب القطار من القاهرة إلى الإسكندرية، على طول مستنقعات يملؤها البعوض كانت تلوث بحيرات دلتا النيل. ولاحظ أن المستنقعات تمنع التوسع في الإسكندرية والذي سيكون ضرورياً لاستيعاب اقتصادها المزدهر والنمو الديموغرافي الطبيعي.
وعرض المسألة مع أصدقائه والمسؤولين السكندريين الذين رحبوا باهتمامه بمشكلة المستنقعات. وعرضوا عليه ملكية 700 فدانٍ من الأراضي الملوثة مجاناً إذا التزم بتجفيف المستنقعات على نفقته الخاصة. أصر سموحة على دفع سعر تجاري للمنطقة. وانتقل مع زوجته وأطفاله الثمانية إلى المدينة القديمة للبدء بتنفيذ مشروع حياته.
في ذلك الوقت، سبعة في المائة من سكان الإسكندرية – 24 ألف شخص – كانوا يهوداً (بلغ عدد السكان اليهود في مصر 80 ألف نسمة). وكانت الجالية اليهودية السكندرية بارزة في كل مجال تقريباً من مجالات النشاط الإنساني:كان اليهود من بين الأطباء والمحامين الأكثر شهرةً، وأسهموا بشكل منتظم في المناقشة العامة، وعملوا في قطاع التعليم وعلّموا عشرات الآلاف من الطلاب المصريين. ومن بين كبار المصرفيين والممولين، على سبيل المثال كانت عائلة منشه – التي وصلت مصر أيضاً من العراق في 1795 – واستثمر أفراد العائلة في التنمية البشرية للإسكندرية من خلال إنشاء مدارس للأطفال الفقراء.
إلا أن جوزيف سموحة لم يتصور أبدا مشروعه لبناء المدينة على أنه موجه لأي عرق أو طائفة معينة. بل على العكس، تصوره توسعا عضويا للإسكندرية الجامعة للأجناس التي من شأنها أن تجسد أفضل التقاليد في المدينة من التنوع والتعايش. ودعا سموحة المهندسين المعماريين في مصر وعبر القارة الأوروبية للتنافس على الحصول على ميزة المساعدة في تصميم المنطقة الجديدة. وتضمنت الخطة كافة معالم المدينة: مناطق سكنية ومدارس ومستشفيات ومنطقة صناعية ومركز شرطة ومكتب بريد، فضلاً عن الكنيسة والمعبد والمسجد. وكان جوهر هذا المشروع تحويل الإسكندرية إلى ما يطابق مفهوم «غاردن سيتي»، التي بدأت تظهر في بريطانيا العظمى، حيث تم بناء نظام بيئي حضري كامل في وقت واحد على قطعة منفصلة من الأرض.
واقترح سموحة تسمية المشروع «فؤاد سيتي»، نسبةً لملك البلاد آنذاك. ولكن الملك أصر على تسميتها مدينة «سموحة». وأصبحت هذه المدينة حيا سكنيا راقيا.وقد انضم إلى عديد من الشخصيات المرموقة التي سكنت هناك أفراد من العائلة الملكية الأوروبية السابقة – بمن فيهم ملك إيطاليا فيكتور إيمانويل الذي كان في المنفى وعاش ومات هناك – ومع مرور الوقت، ضمت مدينة سموحة أيضاً لتشمل حلبة سباق وملعبا للغولف وناديا رياضيا.

تعويضات أسرة سموحة


وهكذا في غضون سنوات قليلة، ظهرت مدينة جديدة من العدم بمظهر لا يشبه أبداً المدينة التي تجذرت منها. لكن الرجل الذي أسسها عانى من مصيرٍ مختلفٍ تماماً: ففي 23 نوفمبر 1956، أي بعد حرب السويس، أعلن الرئيس جمال عبد الناصر أن جميع اليهود هم أعداء للدولة. وكان اليهود قد بدأوا يرحلون بالفعل بأعداد كبيرة قبل ذاك الإعلان: وسط موجة من الحماس المعادي لليهود بعد قيام دولة إسرائيل وأول حرب عربية إسرائيلية. وأسفرت تفجيرات المناطق اليهودية عن مقتل 70 يهودياً وجرح ما يقرب من 200 منهم، في حين أدت أعمال الشغب إلى مقتل المزيد.
وأدى إعلان عام 1956 إلى هروب 25 ألف يهودي إلى إسرائيل وأوروبا والولايات المتحدة وأميركا الجنوبية، في حين صادرت الحكومة أملاكهم. كما تم احتجاز مدينة سموحة وتأميمها ومصادرتها في موجة من هذه الأعمال التي اتخذت ضد الممتلكات البريطانية والفرنسية أيضاً. ورأى جوزيف سموحة إسكندريته العزيزة للمرة الأخيرة في عام 1957، وهو أيضا العام الذي أطاح فيه عبد الناصر بالأرمن واليونانيين ومجموعة فرعية من النخب القبطية المصرية من الإسكندرية.
وعندما توفي جوزيف سموحة في باريس في 1961، عن عمرٍ يناهز 83 سنة، اختلطت ذكرياته وحزنه معاً في الشيخوخة. وتذكر عائلته أنه في السنوات الأخيرة من حياته كان أحياناً ينادي زوجته ويقول لها: «يجب أن أعود إلى المكتب. ماذا يحدث؟ لماذا لا نذهب إلى المكتب؟». وكانت ترد عليه: «جو، ألا تتذكر أنه لا يمكننا العودة؟ لقد أخذوا منا كل شيء». وكان يرد عليها ويقول: «نعم… نعم»، ثم يبدأ بالبكاء من جديد. وعند وفاته، أشار نعي في صحيفة «ديلي تلغراف» البريطانية إلى أن الملك فؤاد كان يتذكره بأنه «أجنبي جلب أمواله الخاصة إلى مصر ونفذ ما كان فيه خير للبلاد».
وقبل وفاته بفترة وجيزة، قدمت أسرة سموحة مطالبة بالتعويض عن قيمة الممتلكات المصادرة لدى لجنة المطالبات الأجنبية البريطانية. وهي هيئة أنشئت لتسديد مدفوعات في مثل هذه الحالات من مبلغ 27,500,000 جنيه إسترليني (77,000,000دولار) دفعته مصر لبريطانيا لتسوية جميع مطالبات الرعايا البريطانيين لممتلكاتهم في مصر. واعتقدت العائلة أن قيمة الممتلكات– باستثناء المدارس والمستشفيات ودور العبادة والمرافق الأخرى التي تبرع بها جوزيف سموحة للبلاد – بلغت 12.5 مليون جنيه إسترليني (35 مليون دولار) أو ما يعادل 260 مليون جنيه إسترليني (371 مليون دولار) اليوم. ولكنهم لم يحصلوا إلّا على جزءٍ صغير من هذا المبلغ، لأن التسوية تم حسابها على أساس قيمة الأراضي الزراعية بدلاً من حسابها على أساس الممتلكات الحضرية المتطورة.

وفي بعض النواحي، تعد قصة جوزيف سموحة صورة مصغرة لقصة ما يقرب من مليون يهودي الأصل في العالم العربي الذين اختفوا تقريباً من المشهد العام ، منذ أكثر من نصف قرن، – في طرفة عين تاريخية. يعود تاريخهم في العراق واليمن وسوريا وأماكن أخرى إلى آلاف السنين، تقريبا إلى فجر التاريخ التوحيدي. وفي مناطق أخرى، يعود تاريخهم إلى قرون بعيدة؛ ففي شمال أفريقيا، على سبيل المثال، يعود تاريخهم إلى فترة طرد اليهود، وكذلك المسلمون مما كان يسمى سابقاً بلاد الأندلس؛ أو نتيجة لهجرات تاريخية حديثة نسبياً.
ويعود طردهم على مدى منتصف القرن العشرين إلى مجموعة معقدة من العوامل التاريخية. أبرزها كان سياسة العديد من الجمهوريات العسكرية العربية التي تدعمها عناصر جوهرية داخل المجتمع، والتي تنص على معاقبة كل اليهود بشكل جماعي بسبب إقامة دولة إسرائيل، بغض النظر عما إذا كانوا يدعمون دولة إسرائيل أم لا. ولقد نجح العالم العربي في تشويه جزء من أساس اليهود: واحدة من أقدم مجتمعاته، وهي طبقة مهنية، وقوة للمجتمع المدني وللتقدم. وقد اكتسبت إسرائيل معظم ما خسره العالم العربي: مئات الآلاف من الأشخاص الموهوبين والذين يمتلكون الكثير من الموارد، والذين يشكلون مع ذرياتهم اليوم غالبية السكان اليهود في البلاد.
وخضع هؤلاء الذين اضطروا إلى المغادرة والعبور من عالم إلى آخر لصدمة اللاجئين في كل مكان: تركوا وراءهم الحياة الوحيدة التي عاشوها وكانوا يعرفونها على أمل إيجاد الأفضل. فقد بعضهم أرواحهم في طريقهم، وتمت مصادرة ممتلكات وأصول معظمهم مما أدى إلى وصولهم بلا مال إلى وجهتهم.
ووفقاً لدراسة أجرتها المنظمة العالمية لليهود العرب في 2007، فإن إجمالي العقارات المفقودة لمالكي العقارات اليهودية في المنطقة تجاوز 62,000 ميل مربع ، وقيمة الممتلكات المصادرة والأصول تجاوزت 700 مليون دولار في أسعار الفترة، أي ما يعادل مليارات دولار في عام 2007. وقد سعى المجتمع الذي يعمل بجدية وصمود إلى الاندماج في أوطانهم الجديدة وإقامة مستوى معيشي لائق مرة أخرى بدءاً من الصفر. وجزءٌ مما يجعل هجرتهم مريرة ليس الخسائر التي تكبدها الفارون، بل خسارة المجتمعات العربية بسبب التخلص منهم.

 

أبناء جوزيفسموحة  وأحفاده


وتتحمل هذه الفترة الحالية من معاناة البشر في الشرق الأوسط – وسط موجات جديدة من التطهير العرقي والطائفي والتشريد الجماعي للشعوب – استذكار هذا الفصل المحزن في تاريخ المنطقة. فالقيام بذلك جزءٌ مهمٌ من التأمل الذي تحتاجه المجتمعات العربية للبدء بعملية المصالحة والإنصاف لشعوب كل الأديان الأصلية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن بقايا المجتمعات اليهودية الأصلية في العالم العربي، المتناثرة في جميع أنحاء العالم، في حد ذاتها أصول محتملة في حين تبدأ الدول العربية بالتخطيط لإعادة الإعمار: فعلى الرغم من مرارة السنوات الأخيرة من الحياة المجتمعية اليهودية في العالم العربي، فإن العديد من اللاجئين وعوائلهم يعتزون بالذكريات السعيدة في ذاكراتهم– ويتوقون إلى مقابلة أصدقائهم الذين فقدوهم عندما أجبروا على الفرار. وإذا ما تم استغلال هذه المشاعر الإنسانية الإيجابية بشكلٍ فعال من خلال مد يد الصداقة، يمكن توفير أساس للبناء – أي تمكين شراكات جديدة لتسريع وتيرة التجديد في جميع أنحاء المنطقة.
فماذا جاء من عائلة سموحة بعد وفاة الأب عام 1961؟ أطفال جوزيف وأحفاده، وأحفاد أحفاده وكلٌ له قصته الخاصة. ولكن من المهم بشكل خاص التركيز على قصة حفيده ريتشارد، الذي أصبح في الثمانينات من عمره (فمن بين أطفال جوزيف الثمانية، والد ريتشارد هو الذي أقام حلبة السباق وملعب الغولف والنادي الرياضي، ووضع الأساس لإنشاء فريق سموحة لكرة القدم الذي يحتفل به الآن). ومثله مثل الكثير من أشقائه وأفراد عائلته، تمت تربية ريتشارد على أساس ثقافتين – المصرية والأوروبية، وظل يذهب إلى مصر ويعود إلى أوروبا طالما لا يزال من الممكن للأسرة أن تفعل ذلك. وفي سن 23 تزوج من امرأة يهودية مصرية كان يعرفها منذ سن 10 سنوات – وهي من سلالة عائلة منشه، وتعود جذورها العائلية في مصر إلى ثلاثة قرون. وبين مرحلة تعلمها مع النخب المصرية ومشاركتها في الأنشطة الخيرية للأسرة، التي تخدم بعض المصريين المحتاجين، وطدت علاقة عميقة بالبلد ككل. على عكس ريتشارد، عاشت فقط في مصر حتى جاء وقت الفرار. ومنذ تلك الأيام، حافظت على علاقاتها مع المصريين الذين عرفتهم من المدرسة.
وشغف ريتشارد المستمر لمصر مستوحى بالتأكيد، على الأقل جزئياً، من شعور زوجته العميق بالاتصال به. وفي حين أن معظم أفراد عائلة سموحة لم يعودوا أبداً إلى مصر، قام ريتشارد وزوجته بزيارة مصر في 1989. ويستذكر ريتشارد: «كانت تجربة عاطفية عميقة لزوجتي تحديداً». ويضيف، «أنا أيضا تأثرت. شعرت أنني في منزلي مع هذا الدفء وروح الفكاهة التي يتمتع بها المصريون، فهم على استعداد للضحك على أي شيء طالما أنك لا تضحك عليهم. زرنا ناديين للغولف في الإسكندرية، الأول الذي أسسته عائلتي والثاني الذي كان والدي يرتاده دائماً للعب».
وقال إنه تم الترحيب بهم في نادي سموحة الذهبي… «كان مدير النادي ودوداً للغاية ومضيافاً لنا وظل يقول بأن هذا النادي لنا ويعاملنا كأننا ما زلنا نملكه. وتم استقبالنا بنفس الطريقة عندما قمنا بزيارة منزل زوجتي في المدينة، الذي أصبح منذ ذلك الحين مقراً لوزارة الثروة السمكية والزراعةحافظوا على العديد من اللوحات والسجادات الثمينة في المنزل. وعندما قمنا بزيارة مدرستها القديمة التي كانت كلية البنات الإنجليزية وأصبحت كلية البنات المصرية، اغرورقت عينا بواب المدرسة الذي تذكر زوجتي التي كان يعرفها منذ عقود».
وبعد 11 عاماً، أي سنة 2000، كان ريتشارد سموحة في خضم البحث عن تاريخ عائلته عندما اكتشف أن بيت العائلة – تم تجاهله بطريقة ما أثناء عزل اليهود وممتلكاتهم. ويقع هذا البيت على مقربة من مدينة سموحة، على طريق حرية، أي على بعد نصف ميل على طول الساحل من خليج ستانلي. وكانت شركة التأمين الوطنية المصرية قد احتلتها ببساطة، ثم سلمتها أو باعتها إلى الرئاسة. وقد تم استخدامه كمقر في الإسكندرية للرؤساء المصريين المتعاقبين. وأبلغه محام مصري كان ريتشارد قد اتصل به أنه ووفقاً للقانون المصري، يستطيع ريتشارد استعادة هذا المنزل.

محكمة الأخلاق


على أساس نزاهة النظام القضائي المصري، وبتوجيه من المحامي المصري، بدأ ريتشارد سموحة وشقيقه براين إجراءات قضائية في مصر لاستعادة منزل الأسرة– وهو قرار غير عادي بالنسبة لأحفاد الجالية اليهودية في مصر. وبدأت العملية مع العديد من التقلبات والمنعطفات والعقبات، بما في ذلك التدخل المباشر للرئيس حسني مبارك ضد ريتشارد سموحة، تلاها حل القضية، بعد ثورة 2011، من «محكمة الأخلاق» التي رفع فيها دعوى. وقال ريتشارد: «كان يطلق عليها محكمة الأخلاق، ولكنها لم تتحل بأي أخلاق فبعد إطاحة مبارك، أغلقوها ولم تعد موجودة». وبعد الإطاحة بالرئيس محمد مرسي واستشعاره بوجود فرصة جديدة، سعى سموحة إلى إعادة رفع قضيته في محكمة الإسكندرية الرئيسية. وقال، «كان هناك شعور بأن هناك مؤخراً اهتماماً كبيراً لأخذ الطلب بشكل جدّي».
وطلبنا من ريتشارد سموحة أن يشرح الدافع وراء سعيه لاستعاده منزل العائلة عبر المحاكم المصرية. وقال: «لم يكن بالضرورة استعادة الأرض… هذا هو التاريخ. وفعلت ذلك لأنني رأيت أن أطفالي يعرفون القليل جداً، ولا يعرف أحفادي شيئا. ووجدت أيضا أنه في كل كتاب تقريباً تم نشره مؤخراً عن الإسكندرية ككل، كان حوالي 75 في المائة مما كتب عن سموحة أو مدينة سموحة غير صحيح. ولذلك أردت توضيح الحقائق. وحتى لو عرض عليّ المال، أشك في أنني سأتنازل عن القضية أو أستسلم. لأن الجانب المادي هو ثانوي جداً مقارنة بإيضاح الحقائق بطريقةٍ أو بأخرى. ولهذا أنا أصر على طلب التسوية، وأقبل أنني لا أهدف بأي شكل من الأشكال إلى الحصول على المنزل مرةً أخرى، ولكن هدفي الحصول على الاعتراف بأن المنزل تم أخذه بطريقة غير قانونية بموجب القانون المصري».
ومع حماسة مماثلة، قرر ريتشارد سموحة توثيق تاريخ عائلته في كتاب بعنوان «مشروع مدينة سموحة: الإسكندرية، من 1923 إلى 1958»، والذي تم نشره باللغة الإنجليزية في 2014، وتتم الآن ترجمته إلى اللغة العربية.
يبدو أن هذه التحركات المتواضعة للدفاع عن الذكريات التي تتلاشى لرجل ومجتمعه مقصودة من عائلة سموحة وأصدقائهم في أوروبا وأماكن أخرى كما هي بالنسبة للشعب في الإسكندرية، وربما للمصريين والعرب عموماً. ولعل قصة رجل يهودي كرس حياته لازدهار مصر يمكن أن تساعد على إحياء روح الصداقة والتعايش التي كانت موجودة ويمكن أن توجد مجدداً.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.