جينا بوبليل والدمان

 

تنحدر عائلتي من جالية يهودية قديمة تعرف باسم اليهود الشرقيين. وقد عاشت في ليبيا لأكثر من 2000 عام. لقد ترعرعتُ في عائلة من الطبقة المتوسطة العليا اليهودية. وكان والدي مستورداً لمعدات لشركات النفط. ورغم أن اليهود عاشوا في ليبيا مئات السنين، إلا أنهم أُجبروا على العيش كـ “أهل الذمة”. كان أهل الذمة تحْتَ الحكم الإسلامي مواطنين من الدرجة الثانية، ولم تمنح لهم نفس الحقوق التي منحت للمسلمين. فلم يُتح لهم حق المواطنة، ولم يتمتعوا بحقوق الإنسان الأساسية أو حرية التنقل.

وعندما اندلعت حرب الأيام الستة بين إسرائيل وجيرانها العرب، كنت في التاسعة عشر من عمري. واتصلت بي والدتي هاتفياً في مقر عملي لتخبرني بأن آلاف الناس قد نزلوا إلى الشوارع حيث يقومون بأعمال شغب ويحرقون الممتلكات اليهودية. وتوسلت بي أن أجد مكان للاختباء فيه، لأنه كان من الخطر جداً أن أعود إلى البيت.

وقد وافق أحد المهندسين البريطانيين في الشركة أن يخفيني في بيته. وبالصدفة، كان مسيحياً. ومن مكان اختبائي، شاهدت النيران تستهلك مستودع والدي. واستمر قتل الناس والهيجان وحرق الممتلكات اليهودية لأيام عديدة. عشت في الخفاء لمدة شهر قبل أن أعود إلى البيت.

وبعد ذلك تم طرد جميع اليهود من البلاد، وقامت الحكومة بمصادرة ممتلكاتهم، بما في ذلك حساباتهم المصرفية. وسمح لنا فقط بأخذ بعض الحقائب والقليل جداً من المال.

ويوم مغادرتنا، وضعَنا جنود مسلحون في حافلة لمرافقتنا “بأمان” إلى المطار. وبدلاً من ذلك، ألقونا على جانب الطريق. فاستقلينا حافلة متجهة إلى المطار، لكنها توقفت بعد ذلك في وسط الصحراء. وقال السائق أن هناك مشكلة في المحرك وادعى أن قاطع التذاكر ذهب للحصول على مساعدة، وتركنا وحدنا مرة أخرى. نظرت إلى والدي للحصول على الدعم، ولكنه كان عديم الحركة وفي حالة رعب. اندفعتُ بسرعة من الحافلة وركضت للعثور على مساعدة. كان جسمي كله يهتز من الخوف عندما كنت أركض، ولكن الغضب دفعني إلى الأمام.

وعندما وصلتُ إلى محطة البنزين، كان قاطع التذاكر يحتجز الهاتف. وبعد أن قاومته للحصول عليه، انتزعت الهاتف من يده واتصلت بالمهندس البريطاني الذي كان قد أخفاني في بيته. والتفتت لمغادرة المكان ولكن لم أستطع اختراق الباب حيث اعترض سبيلي ثلاثة رجال، بمن فيهم قاطع التذاكر. تحجرت في مكاني، وتوترت حنجرتي، وكانت دقات قلبي تتزايد وتعلو. اندفعت بقوة من خلال الباب وركضت عائدة إلى الحافلة.

وكان البنزين في كل مكان، واحتفظ السائق بعلبة شخاط في يده. وكان المخطط هو حرق الحافلة مع عائلتي في داخلها. وفي ذلك الحين بالضبط، وصل المهندس البريطاني. فقفزت عائلتي في سيارته وانطلقنا بسرعة نحو المطار.

وعند وصولنا، رفض الحمالون نقل أمتعتنا وبصقوا علينا. نقلتنا الطائرة إلى روما، إيطاليا، حيث تسكن عائلتي فيها حتى هذا اليوم.

قصتي ليست فريدة من نوعها، فهي واحدة يتردد صداها بين 900000 لاجئ يهودي، حرّموا واقتلعوا من ديارهم في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

لقد قام يهود ليبيا، مثلهم مثل يهود آخرين من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بتطوير ثقافتهم. وكان التقليد اليهودي – الإسلامي مزيجاً من العادات التي جلبوها معهم، والتي اندمجت على مر القرون مع تقاليد بيئتهم المسلمة. إن المرأة اليهودية التي عاشت تحت ظل الإسلام، تأثرت تأثراً كبيراً بالتقاليد المسلمة خلال فترة دامت المئات من السنين، وهذا هو السبب لمحافظتها على عاداتها. وفي ليبيا، لم تحترم الجالية اليهودية تعليم المرأة. ونادراً ما واصلت النساء تعليمهن العالي أو حصلن على مهنة. وكان مكانهن في المنزل. ووفق المعايير اليهودية، يعتبر ذلك أمراً مستبداً وغير متكافئاً.

لقد كانت النساء اليهوديات مقيّدات من وراء “حجاب”. ليس حجاب من القماش، مثل ذلك الذي يغطي شعر النساء المسلمات. بل “حجاب” شُكل داخل البنية الاجتماعية اليهودية القائمة على الخوف. الخوف من الاضطهاد، الخوف من كون الشخص مختلفاً. الخوف من مجرد كون الشخص يهودياً. وكانت والدتي إحدى أولئك النساء “المحجبات”. فعندما توفي والدها، توقف تعليمها الرسمي وبدأت تعمل كمدبرة منزل. وعندما بلغت السابعة عشر من عمرها، تم ترتيب زواجها من رجل كان ضعفين عمرها. إن ما كُتب لها من مستقبل، أو بمعنى آخر مصيرها، كان مختوماً. وما كُتب لي هو تجنب الفخ نفسه. وعندما كنتُ أعيش في ليبيا، قمتُ برحلة إلى ايطاليا. كنت في الرابعة عشر من عمري. واجهت نمط حياة مختلف. فقد فتحت عيناي. وأزيح أمامي ستار العالم. وكان لأول تعرض لي للثقافة الغربية تأثير عميق على حياتي بحيث عندما عدت إلى ليبيا، شعرت بأنه قد تم وضعي مجدداً داخل “الحجاب”. وبعد أن ذقت الحرية، لم يكن من الممكن أن أكون بعد الآن مقيدة.

لم يكن قد تم تجريد النساء فقط من حقوقهم وحرياتهم، بل إن تلك المعاملة قد شملت جميع اليهود في البلدان العربية. ولم تكن الحياة سهلة لأي يهودي. وفي الواقع، عانى معظم اليهود من التمييز والاضطهاد. فمعاملتهم كأهل الذمة — أي مواطنين من الدرجة الثانية — لعب دوراً حاسماً في تعريف هويتهم ودفَعهم إلى العزلة.

لقد طُرد 900,000 لاجئ يهودي من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. هؤلاء هم اللاجئون المنسيون. وخلال الحرب العالمية الثانية، تآمر مفتي القدس الحاج أمين الحسيني مع الزعيم النازي أدولف هتلر لإبادة اليهود في شمال أفريقيا. وبعد الحرب أصبحت طرابلس، مسقط رأسي، مثل العديد من المدن الاخرى في شمال افريقيا، مسرحاً لمذابح يومية تم التحريض لها من قبل جامعة الدول العربية، مما أدى إلى وقوع المئات من القتلى، وتشريد عدد أكبر من ذلك. وبحلول عام 1976 اختفت معظم تلك المجتمعات اليهودية ولم تعد تقاليدها قائمة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.