جو شمش

يقول جوزيف شمش: «أتذكر جمال آية إزاء باب منزلنا الأمامي حاملة أكياسًا ضخمة من الملح». وكان البائعون يدخلون عبر الجدران العالية لمنزل أسرته الذي كان يبعد صفين عن أبنية قصر الملك في بغداد.

ويضيف قائلاً: «كانوا يحضرون الأبقار أيضًا إلى باب منزلنا الأمامي»». وكنا نختار البقرة التي يحلبونها ويضعون حليبها في سطل. ثم كنا نغلي هذا الحليب ونفصله عن القشدة».

ولا يزال شمش الذي نشأ في العراق في أوائل الخمسينات مذهولاً من جمال وروعة الحياة البدائية. وفي حين يتذكر بعض الأوقات العصيبة التي مرت عليه، لا ينسى الأيام المفرحة التي قضاها في نهر دجلة عائماً على سعف النخيل وتناوله للسمك وركوبه سيارات الأجرة التي كانت لا تزال عربات تجرها الخيول.

ويقول: «أظن أن تاريخ عائلتنا يعود إلى زمن بعيد عندما تم جلب اليهود إلى بابل». وولد شمش عام 1948، وهو الثاني بين سبعة إخوة.

وكان والده سليم شمش تاجر منسوجاتٍ ناجحاً سافر حول العالم وأخذته أعماله إلى الهند والصين وهذا كان أمرًا نادرًا للعراقيين.

كان يعرف شمش في طفولته أن كونه يهوديًا أمرٌ خطير ولا يمكن مشاركته مع الغرباء. روى له والداه قصصًا عن حادث الفرهود في السنوات التي سبقت ولادته. وتم القبض على والد شمش في مصر خلال الحرب العالمية الثانية.

ويضيف شمش: «كان عليك أن تظل حذرًا» ولكن الخطر لم يكن محدقًا. فعندما كان طفلاً كان والداه يسمحان له بركوب الحافلة إلى المدرسة والذهاب وحده إلى السوق.. «في يومٍ من الأيام كنت عائدًا من السوق وسألني صبي صغير إن كنت يهوديًا. فشعرت بعدم الارتياح لأن سؤاله كان مباشرا وعرفت أن المواجهة بهذه الطريقة أمرٌ حساس».

وبدلا من الرد عليه، قرر شمش تغيير طريقه والذهاب باتجاه منزله إلّا أن الصبي الآخر ضربه على رأسه بعصا عليها مسمار وأصابه وتسبب له بنزيف. وعندما وصل إلى منزله ملطخًا بالدماء، رأته أمه وبدأت تصرخ.

ووقعت حادثة أخرى مع شمش أثناء مغادرته نادياً ريفياً كان يتردد عليه معظم اليهود وبعض المسيحيين. فيومها قامت مجموعة من المسلمين بمطاردة السيارة التي كان شمش فيها وكانت ترمي عليها الحجارة.

وقال شمش إنه على الرغم من الحوادث العرضية التي تعرض لها، فإن الحياة كانت جيدة حتى أُجبرت عائلته على الرحيل عام 1957.

وبعد اغتيال الملك عرف والدا شمش أن عليهم المغادرة واستطاعوا الحصول على بعض المال. إلّا أنهم كانوا مجبرين على دفع رشاوى ضخمة قُدِّرت بنصف ما كانوا يحاولون إخراجه من العراق. واستطاعت عائلته كلها مغادرة العراق إلى إلى كوينز في نيويورك ما عدا أخيه ألبرت.

وفي 1958، عاد والدا شمش إلى العراق لأخذ ألبرت ولكن لم تسمح لهم السلطات العراقية بالمغادرة قبل سنتين، تاركين شمش وإخوته الخمسة في نيويورك وحدهم.

ويقوا شمش: «استغرق شعورنا بالراحة وبأننا في منزلنا وقتًا طويلاً فالحضارة والضيافة في أميركا مختلفة جدًاعن العراق. كان الناس مهذبين ولكنهم لم يكونوا قريبين من بعضهم». واشتاق للشعور بالدفء والتقارب الذي عاشه في العراق.

كما وجد مستوى التعليم أقل بكثير من المعايير التي اعتاد عليها في العراق. فقد كان يدرس في بغداد اللغة العبرية والإنجليزية والفرنسية غير اللغة العربية التي كانوا يتحدثون بها في المدرسة. ويضيف أن منهج الرياضيات كان أفضل بكثير.. «استغرقني الأمر ثلاث سنوات للعودة إلى نفس المستوى في الرياضيات التي كنت أتعلمها قبل مغادرة العراق».

ولكنه تكيف مع الثقافة الأميركية مع مرور السنوات، وسافر شمش إلى أكثر من 30 دولة في حياته، ويقول إن كونه يهوديًا ساعده على التكيف مع أميركا.

ويردف قائلاً: «عندما كنت في الصين قال لي أحد الصينيين الذين قابلتهم إن الصينيين يهود آسيا لأنهم ينجحون أينما ذهبوا».

وقال إن أولاده الثلاثة الذين حصلوا على الجنسية الأميركية كانوا يعملون الأشياء بالطريقة العراقية. وشرح قائلاً: «أعتقد أنهم يجدون أسلوب الحياة العراقية أكثر تحررًا وحيوية وفوضوية من أسلوب الحياة الأوروبية».

عبّر شمش عن سعادته لأن أطفاله ما زالوا على صلة بتراثهم العراقي. وعلى الرغم من أنه لا يعلم كيف سيكون الجيل القادم إلّا أن انتقال الحضارة التي عاشها في طفولته إلى شي آخر أمرٌ مشجع بحد ذاته.

يعيش اليوم شمش في أوريندا مع زوجته وطفليه وتدرس بنته الكبرى في جامعة كاليفورنيا الجنوبية.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.